شركات المحاماة الأمريكية، رؤية من الداخل (1)

تستضيف كلية القانون في جامعة نيويورك في مانهاتن برنامجا سنويا باسم The International Student Interview Program (ISIP),

يشارك في البرنامج 32 كلية من أفضل كليات القانون على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، الهدف من هذا البرنامج هو تسهيل توظيف الطلاب الدوليين الذين يحملون الماجستير في القانون من احدى هذه الجامعات في شركات المحاماة الأمريكية التي لها أعمال خارجية.

يمر البرنامج بعدة مراحل، في المرحلة الأولى يقوم الطلاب بالتسجيل أون لاين في البرنامج وإرفاق السيرة الذاتية، ويقوم القائمون على البرنامج باستقبال العروض من شركات المحاماة الدولية و تحديد مواصفات المحامي المراد توظيفه والشروط المتطلبة، ثم يتم عرضها على الطلاب المسجلين، ومن كان له رغبة فإنه يقوم باختيار العرض المناسب من خلال الموقع الإلكتروني.

كان من ضمن هذه العروض شركة محاماة أمريكية لديها عمل مع جهة حكومية سعودية، ولذلك تشترط على المتقدم ان تكون اللغة العربية في لغته الام، قمت باختيار هذا العرض وقدمت الطلب بشكل نهائي.

بعد شهر تقريبا أتاني بريد الكتروني من إدارة البرنامج، مفاده أنني من ضمن الطلاب الذين وقع اختيار الشركة عليهم مبدئيا، وبذلك نكون قد دخلنا المرحلة الثانية. أخبروني في الايميل أن ممثل شركة المحاماة سيعقد مقابلة معي ومع غيري من المتقدمين في يوم ووقت محدد في كلية القانون في جامعة نيويورك، هذا اليوم والمكان سيلتقي فيه كافة ممثلي شركات المحاماة المشاركة في البرنامج والطلاب المسجلين الذين وقع عليهم الاختيار.

زودوني في الايميل بكافة الإرشادات والتوجيهات والفعاليات المصاحبة لهذ اليوم.

وصلت صباح اليوم المحدد في مقر الكلية في مانهاتن وكان منظرا وحدثا عظيما بالنسبة لي، في ذلك المكان والزمان اجتمع ممثلو أفضل كليات القانون في أمريكا وأفضل شركات المحاماة العالمية وطلاب دراسات عليا في القانون من كافة أنحاء العالم، يصعب وصف ذلك اليوم في كلمات مختصرة، الاحترافية التي تم بها تنظيم المقابلات والدقة في الوقت ووضوح الإجراءات والفعاليات المصاحبة كانت على أعلى مستوى من الترتيب والتنسيق والانسيابية والشفافية.

اتجهت لمكان المقابلة في الوقت المحدد، كانت مدة المقابلة ثلث ساعة وكانت جيدة ولله الحمد، رجعت في نهاية اليوم الى مقر إقامتي في واشنطن، ومكثت شهرا أحدث زملائي عن إعجابي بمستوى التنظيم والتريب والفعاليات والتجمع المشهود.

بعد شهر تقريبا أتاني بريد الكتروني من إدارة البرنامج و مفاده اجتيازي للمرحلة الثانية وأني مرشح الآن للمرحلة الثالثة والأخيرة، وأن دور البرنامج انتهى في هذه المرحلة، حيث سيأتيني ايميل من الشركة نفسها بشكل مباشر، وبالفعل بعد أسبوع تقريبا وصلني ايميل مطول من الشركة فيه ترحيب ودعوة لإجراء أربع مقابلات مع كبار المحامين في الشركة (زودوني أيضا بأسماء المقابلين) في وقت اقترحوه في الايميل، وفيه استفسار عن مدى مناسبة الوقت المحدد لي وعن مقر إقامتي حيث إن كان مقر الإقامة ليس في واشنطن فسيتكفلون بكافة مصاريف السفر والسكن، أفدتهم أن الوقت مناسب وأن مقر إقامتي في واشنطن فلست بحاجة لهذه الترتيبات.

حان وقت المقابلات، كانت أربع مقابلات كل مقابلة استغرت 45 دقيقة وجل الأسئلة كانت عن فهمي لواقع السوق السعودي والبنية القانونية للدولة السعودية، وعن مكاتب المحاماة في السعودية وطبيعة المنافسة فيها، لم أسأل سؤالا قانونيا واحد عن ما درسته في امريكا، لما سألتهم بعد ذلك قالوا هذا دور كليات القانون الذي من المفترض أنهم قاموا بدورهم على أكمل وجه، أما نحن كمهنيين فيهمنا طريقة فهمك واستيعابك وتحليلك وطريقة تعبيرك عن افكارك.

كانت المقابلات كلها جيدة ولله الحمد، اخر مقابلة كانت مع المسؤول عن الأعمال في الشرق الاوسط، في نهاية المقابلة أعطاني الإشارة انهم موافقون على عملي معهم، وما تبقى فقط هو إجراءات ورقية وشكلية، وقبل أن أخرج من مكتبه والفرحة تغمرني قال لي،

أود أن اقول لك كلمة ستفيدك في عملك المهني في الولايات المتحدة الامريكية، المحامي في أمريكا ليس كما هو المحامي في الشرق الاوسط يقوم بصياغة اللوائح والمذكرات والعقود القانونية ومراجعتها وبيان ما هو مخالف أو موافق للقانون فقط، بل هو أعمق من ذلك المحامي في أمريكا عبارة عن TRUSTED ADVISOR ، سألته ما المقصود بهذه العبارة فقال المحامي يفهم طبيعة عمل العميل بعمق يوازي عمقه واستيعابه للقانون نفسه، فمثلا ان كان العميل شركة طاقة او أدوية أو برامج حاسوبية، فالمحامي في هذه المجالات يفهم طبيعتها وتفاصيلها بعمق ودقة كما يفهم القانون نفسه الذي يحكمها، ولذلك فهو شريك للعميل منذ بداية المشروع حتى نهايته مبينا ليس فقط الخلل القانوني من عدمه بل مجال الربح والخسارة والطرق القانونية الأفضل لتحقيق ربح أعلى والبدائل القانونية لتقليل الخسائر بأكبر قدر ممكن بما يتوافق مع طبيعة العمل نفسه.

كانت هذه الكلمات كالشعلة التي أضاءت لي طريق استكشاف خبايا المهنة من خلال عملي مع الشركة نفسها في واشنطن العاصمة وتحت إشراف ذلك المحامي ثلاث سنوات متوالية، والتي سأتحدث عن بعض جوانبها في المقالة القادمة بإذن الله.

 

   

د. عبدالعزيز بن أحمد المزيني

خريج جامعة جورج تاون - كلية القانون

mznaziz@gmail.com

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <img> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.

هل لديك مشكلة

تبقى لديك () حرف
أرسل