العقل القانوني في الجامعات الامريكية

د. عبدالعزيز بن احمد المزيني

 

نحن لا نعلمكم القانون، بل نعلمكم كيف تكفرون قانونيا، (we don't teach you the law, we teach you how to think as lawyers)، كانت هذه اول جملة سمعتها في كلية القانون بجماعة جورج تاون من استاذ مادة المدخل الى القانون الامريكي، كانت الكلمة بمثابة الصدمة لي كطالب تلقى تعليمه العام والاكاديمي في المملكة العربية السعودية، ودرسه اساتذة من مختلف انحاء العالم العربي، جل مناهجنا كانت في التركيز على المعلومة نفسها وحفظها، والتقييم في الاختبارات كان ينصب على مدى قدرة الطالب على اعادة المعلومة التي القاها الاستاذ في المحاضرة.

لم اكن مستوعبا تلك الكلمات حق الاستيعاب، حتى بدات محاضرة مادة قانون الشركات، كنت اتوقع ان المحاضرة ستتناول انواع الشركات، وهيكلتها والاحكام المختصة بها ومميزاتها، لكن لما بدات المحاضرة سال الاستاذ عن وقائع قضية معينة ولماذا افلست تلك الشركة بعينها، وماذا فعل المدير العام وكيف رد عليه مجلس الادارة، وما موقف الملاك من هذا النزاع، انتهى نصف وقت المحاضرة وانا اتساءل هل هذه مادة قانون الشركات ام مادة في ادارة الاعمال، لما وصل النقاش الى حكم المحكمة وكيف استنتجت هذا الحكم، قال لنا الاستاذ هكذا يجب عليكم ان تنظروا للوقائع كقانونيين متخصصين في الشركات،

اعلم ن المدرسة القانونية الامريكية هي مدرسة مبنية على السوابق القضائية بخلاف المدرسة اللاتينية المبنية على النظريات القانونية، لكن ما اريد ايضاحه هنا هو طريقة التعليم وتربية الملكة الذهنية لطالب القانون على التحليل والاستنتاج والمقارنة والاستنباط، بخلاف طريقة التدريس المبنية على الحفظ والتلقين المنتشرة للاسف في عالمنا العربي خاصة في التعليم الاكاديمي،

هذه المنهجية تنعكس ايضا على تقييم الطالب، اذكر في احد الجامعات السعودية صديق لي كان يدرس الماجستير، وفي نفس الوقت يعمل في احد البنوك، وكان من ضمن المواد التي يدرسها النظام البنكي، ويدرسه استاذ من احد الدول العربية، في نهاية الفصل الدراسي اكتشف صديقي انه راسب في مادة النظام المصرفي، اتجه مسرعا الى استاذ المادة يستفسر عن سبب الرسوب لربما ان هناك خطا في رصد الدرجات، فاجابه الاستاذ بالفعل انت راسب، ساله لماذا، قاله له انت من افضل الطلاب في مادتي، لكن اجابتك كانت من اجتهادك الشخصي ولم تذكر ما كنت القيه عليكم في المحاضرات، فما الذي يضمن لي انك بالفعل درست المادة جيدا ام لا، للاسف كان الجواب اشنع وافظع، ليت ذلك الاستاذ يعلم ان طالبين في مادة قانون الشركات في الاختبار النهائي اخذا درجة كاملة مع ان الاجابتين متناقضتان، والسبب ان التحليل والمنطق الذي استخدماه كان سليما ومقنعا،

انتهت مرحلة الماجستير، وبالفعل قد لا يكون طالب القانون محملا بكم هائل من المعلومات القانونية، لكنه في الحقيقة اكتسب ادوات تحليلية واسلوب ومنهجية تفكير، هي الاساس التي سيبني عليه مستقبله العلمي والمهني باذن الله تعالى.

بدات مرحلة الدكتوراه ولله الحمد في نفس الكلية بجامعة جورج تاون، والدكتوراه بطبيعتها اكثر تخصصية وعمق، تستغرق سنينا من عمرك في مسالة واحدة، غيرك من المتخصصين في مجالك قد لم يقرا عنها الا كتابا واحدا اتمه خلال ساعة،

هدف برنامج الدكتوراه كان واضحا من البداية، وهو اخراج علماء مستقلين (independent scholar ) ، ان كان هدف برامج الماجستير هو اخراج مهنيين محترفين، فالدكتوراه انما هي في المجال العلمي والبحثي المتخصص الدقيق والموضوعي، لذلك فالمواد في السنة المنهجية والمشتركة بين طلاب الدكتوراه كانت في منهجيات البحث والتحليل والنقد والمقارنة، والفلسفة والنظريات القانونية،

في نهاية السنة المنهجية على الطالب ان يحدد المنهجية التي سيتبعها في بحثه، وبصفتي قانوني سعودي، مرجعيتي القانونية هي الفقه الاسلامي وموضوع بحثي سيكون الاطار النظري لتداول الديون في السوق الثانوية، فاخترت ان تكون منهجية بحثي تحليلية ومقارنة بالقانون الامريكي،

كانت هنا الصدمة الثانية، سالني المشرف لماذا اخترت ان يكون بحثك مقارنا بالقانون الامريكي، قلت لاستفيد من الخبرة والتجارب و..، قال اتفق معك في المجال التطبيقي فقط لكن في المجال النظري لا اتفق معك، نظريات الفقه الاسلامي نظريات عريقة ومستقرة تمتد لاكثر من الف سنة ولها منهجيتها ومنطقيتها الخاصة وتاريخها الخاص، بينما نظريات القانون الامريكي لها تاريخ وجذور وامتداد مستقل، قلت له اذن؟

قال في الجانب النظري ركز على الفقه الاسلامي واجعل بحثك امتدادا لمدارسه، وفي فهمك لواقع السوق الثانوية للديون استفد من القانون من الامريكي وكيف فهمه القانونيون الامريكيون، ولتكن لك نظرتك الخاصة في فهمك للواقع انطلاقا من مرجعيتك القانونية، الفقه الاسلامي، وبالفعل اكملت البحث وفقا لهذه المنهجية ولله الحمد حتى اتممته،

هذه الحيادية والموضوعية والاحترام والتقدير للنظريات والفلسفات الاخرى هي منبع قوة وتطور الجامعات الامريكية في الوقت الحاضر، والتي جعلها تتقدم على غيرها من الجامعات الاوروبية التي تكون اعرق منها واكثر خبرة، والذي جعل كثيرا من الباحثين من مختلف دول العالم يفضل اكمال دراساته العليا في الجامعات الامريكية لانه سيختار المنهجية البحثية المناسبة له ولموضوع بحثه دون ان يلزم بمنهجية محددة وصارمة.

كانت تجربتي الاكاديمية في جامعة جورج تاون ولله الحمد ثرية جدا ومفيدة للغاية، في المقالة القادمة باذن الله تعالى لمحة سريعة عن تجربتي المهنية في احد شركات المحاماة العالمية في واشنطن العاصمة.

 

خريج جامعة جورج تاون - كلية القانون

mznaziz@gmail.com

twitter: @mznaziz

 

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <img> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.

هل لديك مشكلة

تبقى لديك () حرف
أرسل