أميرتان وملك

روز العمر

 

اليوم في طريقي للجامعة، كنت أتأمل منظر الأشجار وحالها الذي آلت إليه بعدما حل فصل الشتاء الذي لم يتركها مرتدية فستانها الاخضر الفاتن. أصبحت عارية تماما. أغصان وحيده و مبعثرة، وكأنها تطلب الإله سترها مع حلول الربيع،  منظر الأشجار كان ملهما فعلاً، ذكرني بعبدالعزيز..!!

 

عبدالعزيز ابن صديقة والدتي المقربة، كان شابا يافعا وسيما، و ذو قفشات، مفعم بالحيوية و الشقاوة، مازلت اتذكر تماماً رحلتنا لأم الدنيا مصر في أوائل التسعينات  كان حينها عبدالعزيز ذو 18 عشر ربيعا، اسمر البشرة، رفيع القوام ذو شعر كثيف وداكن، يكبرني بأعوام عده كنت أنا لا اتجاوز حينئذ الحادي عشرة من عمري. عبدالعزيز كان شابا ثائرا دائم الضحك و صاحب نكتة..خصوصاً انه كان من منطقة في نجد اشتهرت بسكانها الكوميديون.

 

 كان أسلوب حياة اهل النيل لا يخلو من المتعة التي لا تنتهي، ابتداء من يوميات حارس العمارة و عائلته البسيطة، مرورا بسيارات الأجرة المتهالكة و انتهاء بغراميات المتحابون على كورنيش النيل.

 

 لم يرافقنا عبدالعزيز في رحلاتنا العائلية إلا ما ندر، كان يفضل رفقة اصحابه الشباب و اصدقاء الدراسة.

 كان تام الأناقة، محبا للفت الإنتباه دائما،  يرتدي بنطال أسود و قميصا فرائحيا بأكمام قصيرة يمثل ألوان الحياة الزاهية كطهر قلبه،  يلفها داخل بنطالة ثم يشده قليلا للأعلى عله يخفي ملامح خصرة النحيل، أجزم انه لم ينجو يوما من معاكسات بنات مصر الجديد.

 

وسائل الإتصالات في مصر وقتها كانت بدائية و متواضعه جداً. في شقة رفيقة والدتي كان الهاتف مشترك لكل البناية ، يرن الهاتف الجميع يشارك بالرد حتى يجد المتصل ضالته و يكمل المحادثة، و احيانا كنا نقصد كبائن الإتصالات و ننتظر لوقت طويل حتى نهنا بدقائق نتواصل فيها مع احبابنا في السعودية. 

 

اتذكر قصدنا الجيزة في أحد الأيام بغية زيارة لاقارب عبدالعزيز هناك، في التاكسي كنت أنا و جيهان ووالدة عبدالعزيز في المقعد الخلفي، في مشوارنا الطويل و صوت وردة الجزائرية كان كنسيم لطيف ينثر اثيرة مع حرارة الجو، تغنت وردة  بمليت من الغربة و تعبت من الترحال، قاسيت حياة صعبة، وقضيت ليالي طوال، من غير حبايبنا ، ايه يسوى تغريبنا، كسرت جيهان حاجز صمتنا و سألتني انتي مليتي ؟ قلت لها من ايه ؟ قالت مليتي من الغربة ؟،  ضحكنا جميعا من لطافتها و استأنفنا الأحاديث.

 

ظل عبد العزيز قليل التواجد بيننا، يظهر في أحيان و يختفي بأخرى، رافقنا مره لمدينة العاب السندباد.

 

 اتذكر ركبت لعبة أنا وأختي ووالدتي و بجانبي رجل مصري ذو كرش كبير، كان عبدالعزيز في الجهه المقابله للمركبة من أول وهلة أبدت امي ندمها الشديد لمخاطرتها بركوب اللعبة  بتمتمات وويلات ونداءات ..ارجووووكم أوقفوها.. أما الرجل المصري ذو الكرش ..فظل يطلق الآهاات و الأننات متألما من سرعة اللعبة التي ضيقت على كرشة الكبير..أنا  و اختي و عبدالعزيز غرقنا في ضحكات على وضعهم ، واستمر عبدالعزيز يذكر والدتي لفترة طويلة بتمتماتها في تلك اللعبة التي لم تركب غيرها ابدا.

 

مسالم كان عبدالعزيز، صديق للجميع حتى أنه كان يبادل والدتي النكات و يعلق عليها وينشد راحتها كوالدته تماما..وكنا حينما نعود لشقتنا التي كانت تبعد عنهم بشارعين، يعمد الى مرافقتنا حتى نصل بسلام في ذلك الوقت المتأخر من الليل.

 عدنا للرياض بعد قضاء إجازة الصيف الرائعة الممتلئة بالأحداث الجميلة التي لا تنسى.

تخرج عبدالعزيز..و خرج من الرياض محملا بملفه الأخضر باحثا عن عمل مناسب مع قريبه.. في الطريق كان موعده مع القدر..ارتطمت سيارة قريبه بجمل عابر سبيل، أحدث تحطم كبير في مركبتهم..و أصيب عبدالعزيز إصابة بالغة في الرأس و تهشم في الجمجمة و كسور بالغة افقدته الوعي شهور طويلة..!! كان الخبر بمثابة الصاعقه على الجميع..استمر عبدالعزيز تحت العناية المشددة بين الحياة و الموت مدة تفوق الشهرين..لا أحد يعلم كم من الألم تكبد إلا الله سبحانه وتعالى. الشيء الذي لم نفقده يوماً ثقتنا بالله أن عبدالعزيز سينجو سينجو و سيعود..سيعود لصحته و لشبابه الذي ينتظره..سيعود لحضن والدته التي انفطر قلبها وجعا عليه..سيعود روحا و قلبا لأهله و أصحابه و لحياته.

بعدها افاق عبدالعزيز من الغيبوبة نحيييلا موجوعا ..تغيرت ملامحه و غابت بسمته.. صرح له الأطباء الانتقال إلى البيت..واستمرت والدته تعتني به  ..وقتها لايزال يتغذى على السوائل فقد..لا حراك ..لا حديث ..مجرد جثة هامدة ممدة على الارض لا يتحرك منه سوى العينين و أنفاس كتب الله لها ان تبقى و الحمدلله..كرست والدته جل حياتها له..لم تترك لا طبيبا و لا استشاريا و لا مركز تاهيل على المعمورة إلا و قصدته..سافرت به الى المانيا و النرويج و قصدت  شرق العالم و غربه بحثا عن علاج ل عبدالعزيز. 

الحمدلله تكللت بالنجاح شفي عبدالعزيز..من معظم اوجاعه ..برأت كسورة و جروحه ..عاد وعيه التام ..ظلت نوبات غياب الوعي تداهمه أحياناً ..لكنه بفضل الله و منته استعاد عافيته بشكل كبير.

عادت ابتسامة عبدالعزيز العذبة وعاد مزحه، وظل يتبادل مع والدتي جملتهم الشهيرة من اغنية نبيل شعيل..الا يالله يا عالم بحالي..ويكمل عبدالعزيز تشيل الهم عن قلبي تزيله ~

حصل بعدها عبدالعزيز على وظيفة ملائمة لوضعه الصحي و الحمدلله استمر بها و سعد ،و تقدم لخطبة احدى الفتيات و تزوج لكنه لم يوفق عبدالعزيز في زواجه الأول بسبب آثار المرض اللتي كانت تداهمه بين الحين والآخر،لكنه عاود الكره..و نجح هذه المره و تغلب على مرضه و اثمر زواجه عن اميرتين وملك♥ ... 

عبدالعزيز الآن ينعم بصحة وعافية بين عائلته و قرة عينية والديه و ابناءه ..و استمرت الحياة..و ظلت والدتي تردد كلما قابلته ..سبحان من يحيي العظام و هي رميم..!! وسأبقى اردد كلما رأيت تلك الأشجار ..سبحان من كساها اخضرارا بعدما كانت مجرد اغصان هامدة.

 

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <img> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.

هل لديك مشكلة

تبقى لديك () حرف
أرسل